ابن خلدون

266

رحلة ابن خلدون

السّلطان ، « 1254 » فأقمت بها أربعة أعوام ، متخلّيا عن الشواغل كلّها ، وشرعت في تأليف هذا الكتاب ، وأنا مقيم بها ، وأكملت المقدّمة منه على ذلك النحو الغريب ، الذي اهتديت إليه في تلك الخلوة ، فسالت فيها شآبيب الكلام والمعاني على الفكر ، حتى امتخضت زبدتها ، وتألّفت نتائجها ، وكانت من بعد ذلك الفيئة إلى تونس كما نذكره . الفيئة إلى السّلطان أبي العباس بتونس والمقام بها ولما نزلت بقلعة ابن سلامة بين أحياء أولاد عريف ، وسكنت منها بقصر أبي بكر بن عريف الذي اختطّه بها ، وكان من أحفل المساكن وأوثقها . ثم طال مقامي هنالك ، وأنا مستوحش من دولة المغرب وتلمسان ، وعاكف على تأليف هذا الكتاب ، وقد فرغت من مقدّمته لي أخبار العرب والبربر وزناتة ، وتشوّفت إلى مطالعة الكتب والدواوين التي لا توجد إلا بالأمصار ، بعد أن أمليت الكثير من حفظي ، وأردت التّنقيح والتّصحيح ، ثم طرقني مرض أوفى بي على الثّنيّة ، لولا ما تدارك من لطف الله ، فحدث عندي ميل إلى مراجعة السّلطان أبي العبّاس ، والرحلة إلى تونس ، حيث قرار آبائي ومساكنهم ، وآثارهم ، وقبورهم ، فبادرت إلى خطاب السّلطان بالفيئة إلى طاعته والمراجعة ، وانتظرت ، فما كان غير بعيد ، وإذا بخطابه وعهوده بالأمان ، والاستحثاث للقدوم ، فكان الخفوف للرحلة ، فظعنت عن أولاد عريف مع عرب الأخضر من بادية رياح ، كانوا هنالك ينتجعون الميرة بمنداس . وارتحلنا في رجب سنة ثمانين ، وسلكنا القفر إلى الدّوسن من أطراف الزّاب . ثم صعدت إلى التّل مع حاشية يعقوب بن علي وجدتهم بفرفار ، « 1255 » الضيعة التي اختطّها بالزّاب ،

--> ( 1254 ) في العبر 6 / 46 : « وأقطع السّلطان أبو عنان ، ونزمار بن عريف « السرسو » Pl . du Sersou ) ، وقلعة ابن سلامة ، وكثيرا من بلاد توجين » . ( 1255 ) فرفار ( Farfar ) : واحة صغيرة تقع على بعد 33 كيلومترا من مدينة بسكرة ، في الجنوب الغربي لها .